نفى رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، وجود أدلة قاطعة تثبت أن السلطات المغربية خططت أو ساهمت في تنفيذ عملية العبور الجماعي للمهاجرين نحو مدينة سبتة المحتلة، خلال يومي 30 و31 يوليوز الماضي، مؤكدا أن حكومته لن توجه اتهامات خطيرة إلى دولة مجاورة وشريك استراتيجي دون الاستناد إلى معطيات ثابتة.
وقال سانشيز، خلال مثوله أمام مجلس النواب الإسباني، صباح اليوم الخميس 3 شتنبر 2026، لتقديم توضيحات بشأن تدبير حكومته لأزمة سبتة، إنه في حال توفر أدلة قوية ضد المغرب، فإن إسبانيا ستتصرف “بكل حزم ووفقا لما يقتضيه الموقف”، مستدركا بأن المعطيات المتوفرة إلى حدود الساعة لا تثبت أن عملية العبور جرى تصميمها أو تنفيذها من طرف السلطات المغربية.
وشدد رئيس الحكومة الإسبانية على أن أيا من المؤسسات الوطنية أو الهيئات الدولية لم تقدم أدلة دامغة تؤكد وجود خطة مغربية منظمة وراء الأحداث، محذرا من خطورة بناء المواقف الدبلوماسية والقرارات السياسية على مجرد فرضيات أو اتهامات غير مدعومة بأدلة.
وجاء موقف سانشيز ردا على ما تضمنته تقارير أمنية وإعلامية إسبانية تحدثت عن احتمال وجود تقصير أو تساهل من جانب السلطات المغربية خلال الساعات التي شهدت تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين على الحدود. غير أن رئيس الحكومة الإسبانية اعتبر أن هذه المعطيات لا تكفي للحديث عن تورط رسمي أو عملية مدبرة من طرف الدولة المغربية.
وأبرز سانشيز أن التعاون الذي قدمه المغرب كان حاسما في إعادة غالبية المهاجرين الذين دخلوا سبتة، مشيرا إلى أنه كان من الصعب إعادة نحو 90 في المائة منهم في ظرف وجيز لولا التنسيق مع السلطات المغربية. واعتبر أن هذا التعاون يعكس أهمية الحفاظ على علاقة قائمة على الحوار والاحترام المتبادل بين البلدين، بالنظر إلى تشابك المصالح الأمنية والاقتصادية والجغرافية بين الرباط ومدريد.
وأوضح أن أزمة سبتة نتجت عن تداخل مجموعة من العوامل، من بينها نشاط شبكات الاتجار بالبشر، وانتشار معلومات مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى استغلال بعض التأويلات القانونية المرتبطة بقرارات قضائية إسبانية، وهو ما ساهم في تحريك أعداد كبيرة من المرشحين للهجرة غير النظامية.
وأكد سانشيز أن حكومته “ليس لديها ما تخفيه”، معلنا عزمها نشر ملف يضم مختلف التقارير والمعطيات المتوفرة بشأن الأحداث، بهدف توضيح الظروف التي أحاطت بعملية العبور الجماعي، والرد على الاتهامات التي وجهتها المعارضة إلى الجهاز التنفيذي بشأن وجود تقصير في الاستعداد للأزمة أو معلومات مسبقة لم يتم التعامل معها بالشكل المطلوب.
وفي مقابل دفاعه عن استمرار التعاون مع الرباط، وصف رئيس الحكومة الإسبانية بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين مغاربة بشأن سبتة ومليلية بأنها “غير مقبولة”، مجددا تمسك بلاده بموقفها من وضعية المدينتين، كما أعلن أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية خلال الأسابيع المقبلة، في خطوة قال إنها ستعكس التزام الدولة الإسبانية تجاه المدينتين.
وكشف سانشيز عن مجموعة من التدابير الجديدة لتعزيز مراقبة الحدود، من بينها مطالبة الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس” بإقامة حضور دائم في ميناء سبتة وبمحيط السياج الحدودي، فضلا عن إحداث مهمة خاصة للشرطة الأوروبية “يوروبول”، بهدف تعزيز المراقبة ومواجهة شبكات تهريب البشر.
كما توقف رئيس الحكومة الإسبانية عند الحصيلة الإنسانية للأحداث، مشيرا إلى وفاة 141 مهاجرا في البحر، ومعبرا عن تضامنه مع الضحايا وسكان سبتة الذين عاشوا، بحسب تعبيره، لحظات عصيبة. وأشاد في الوقت نفسه بجهود الموظفين وعناصر الأمن والإنقاذ والمتطوعين الذين ساهموا في احتواء الأزمة وتقديم المساعدة للوافدين.
وشهدت الجلسة البرلمانية مواجهات سياسية حادة، بعدما طالب رئيس الحزب الشعبي، ألبرتو نونييث فييخو، باستقالة سانشيز، معتبرا أنه يتعين عليه تحمل المسؤولية؛ سواء بسبب عدم علمه المسبق بما كان يجري التحضير له، وهو ما وصفه بـ”عدم الكفاءة”، أو بسبب معرفته بالأمر وعدم كشف الحقيقة، وهو ما اعتبره “تواطؤا”.
ورفض سانشيز اتهامات المعارضة، مؤكدا أن تدبير علاقة إسبانيا بالمغرب يقتضي التحلي بالمسؤولية والحذر، لأن أي مواجهة غير محسوبة مع الرباط ستكون لها تداعيات مباشرة على الأمن والهجرة والمصالح الاقتصادية للبلدين.
وتكشف كلمة سانشيز أمام البرلمان عن توجه إسباني يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الدفاع عن المواقف السيادية لمدريد، واحتواء الضغط الداخلي الذي تمارسه المعارضة، والمحافظة في الوقت نفسه على قنوات التعاون مع المغرب، باعتباره شريكا أساسيا في تدبير ملفات الهجرة والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.