صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوجه رسالة سامية إلى المشاركين في أشغال الدورة الثامنة للمؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدة

0

وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، رسالة سامية إلى المشاركين في أشغال الدورة الثامنة للمؤتمر العالمي للمدن والحكومات المحلية المتحدة، المنظمة تحت الرعاية السامية لجلالة الملك، بطنجة من 22 إلى 25 يونيو الجاري تحت شعار “جيل جديد من الخدمات العمومية المحلية الشاملة”.
وفي ما يلي النص الكامل للرسالة الملكية السامية، التي تلاها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، خلال الافتتاح الرسمي لهذا المؤتمر اليوم الثلاثاء ..
” الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
أصحاب المعالي والسعادة، حضرات السيدات والسادة،
يطيب لنا، بمناسبة انعقاد المؤتمر العالمي الثامن لمنظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة بمدينة طنجة، تحت رعايتنا السامية، أن نتوجه بأصدق عبارات الترحيب والتقدير إلى كافة المشاركات والمشاركين فيه، من قادة محليين وجهويين، ومسؤولين حكوميين، ومنتخبين، وخبراء، وممثلي المنظمات والشبكات الدولية.
كما نعرب عن اعتزازنا باحتضان المملكة المغربية لهذا الملتقى العالمي الرفيع، حول قضايا أصبحت في صلب مستقبل التنمية والحكامة عبر العالم، وفي مقدمتها تطوير الديمقراطية وتجديد الحكامة المحلية، وتعزيز العدالة المجالية، وتقوية الدور المحوري الذي يجب أن تضطلع به المدن والجهات والجماعات الترابية، في بناء مستقبل أكثر إنصافا واستدامة.
إن احتضان مدينة طنجة لهذا المؤتمر يحمل دلالات عميقة. فهذه المدينة، بما ترمز إليه من انفتاح حضاري، وبما تتميز به من موقع استراتيجي عند ملتقى القارات والبحار، تجسد معنى التواصل والتلاقي بين الشعوب والثقافات، وتعكس صورة المغرب المنفتح على محيطه، الواثق في اختياراته، المتمسك بهويته، والمقبل بثبات على المستقبل.
وإن اختياركم لشعار “جيل جديد من الخدمات العمومية المحلية الشاملة”، يعكس وعيا جماعيا متقدما بأن الحكامة الترابية لم تعد شأنا إداريا أو تنظيميا فحسب، بل أصبحت رافعة أساسية لترسيخ العدالة المجالية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتحويل الالتزامات الدولية الكبرى إلى مشاريع ملموسة، داخل المدن والجهات والجماعات الترابية الأخرى.
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،
لقد حرصنا، منذ اعتلائنا عرش أسلافنا الميامين، على جعل الإصلاح المجالي أحد المرتكزات الاستراتيجية للمشروع المجتمعي والتنموي لبلادنا، إيمانا منا بأن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقوة مؤسساتها المركزية، بل كذلك بقدرتها على تمكين مجالاتها الترابية من المبادرة والمشاركة، وتقريب القرار العمومي من المواطن، وجعل التنمية المجالية ثمرة للتكامل وتظافر الجهود بين الدولة والجماعات الترابية وباقي الفاعلين.
ومن هذا المنطلق، فإن الجهوية المتقدمة التي أرسينا دعائمها في المغرب هي اختيار استراتيجي لتحديث الدولة، وترسيخ الديمقراطية المحلية، وتحرير الطاقات، وتكريس مبدأ الإنصاف بين الجهات، وربط التنمية بخصوصيات كل مجال وبمؤهلاته وحاجيات ساكنته
وقد مكنت هذه الرؤية من ترسيخ موقع الجهة باعتبارها فضاء للتخطيط الاستراتيجي، وتعبئة الاستثمار، وإنعاش الاقتصاد المحلي، وتقوية الالتقائية بين البرامج القطاعية والترابية. كما مكنت من تعزيز دور العمالات والأقاليم والجماعات، في إطار تكامل مؤسساتي يقوم على التدبير الحر، والتضامن والتعاون، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن ما نريده من هذا الورش هو إقامة تنظيم ترابي خلاق، لا يكتفي بإدارة الحاجيات اليومية، بل يملك القدرة على استباق التحولات، وتوجيه الاستثمار، ومواكبة الانتقال الرقمي والبيئي، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وإدماج الشباب والنساء والفئات الهشة في دينامية التنمية.
كما أن التجربة المغربية في مجال اللامركزية والجهوية المتقدمة تستمد قوتها من كونها جزءا من رؤية أشمل للتنمية الترابية المندمجة. فالمجال الترابي، في منظورنا، هو فضاء لتحرير الطاقات وتعبئة الموارد، وبناء الشراكات، وتحقيق المواءمة بين البرامج الوطنية والمبادرات المحلية.
وتكريسا لهذا التوجه، أطلقنا جيلا جديدا من برامج التنمية الترابية المندمجة، يجسد إرادة راسخة في تجديد أساليب العمل العمومي، من خلال الانطلاق من التشخيص الدقيق لحاجيات الساكنة، والإنصات للفاعلين المحليين، وترتيب الأولويات وفق أثرها المباشر على المواطن، ولا سيما في مجالات التشغيل والتعليم، والصحة والماء، والتأهيل الترابي، وتحسين ظروف العيش الكريم.
ولا تكمن أهمية هذه البرامج في حجم المشاريع التي تحملها فحسب، بل في المنهجية التي تؤسس لها، والقائمة على التشاور، والتعاقد، والتتبع، والتقييم، والنجاعة في استعمال الموارد، وربط الأهداف بالنتائج. وبذلك تصبح التنمية الترابية مسارا مشتركا، تتقاسم فيه الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني مسؤولية بلورة المشاريع وتنفيذها وتقييم أثرها.
حضرات السيدات والسادة،
ينعقد مؤتمركم في ظرفية دولية دقيقة، تتزايد فيها آثار التقلبات المناخية، والضغوط الديمغرافية، والهجرة، وتتسع فيها الفوارق الاجتماعية والمجالية، ويتنامى فيها الطلب على خدمات عمومية أكثر قربا وجودة ونجاعة وإنصافا. وهي تحديات تؤكد، يوما بعد يوم، أن المستقبل لا يبنى فقط من خلال القرارات المركزية، بل كذلك عبر انخراط المجالات الترابية، حيث تتجسد السياسات العمومية، بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في التعليم والصحة والسكن، والماء، والبيئة، والنقل، والثقافة، والترفيه، وخلق فرص الشغل.
كما إن شعار مؤتمركم يلتقي، في جوهره، مع ما نحرص عليه في المملكة المغربية من جعل السياسات العمومية الترابية في خدمة الإنسان، ومن اعتبار الولوج إلى الخدمات الأساسية حقا للمواطن، لا امتيازا مرتبطا بمكان إقامته أو وضعه الاجتماعي.
ومن هذا المنظور، فإن النقاش حول مستقبل الخدمات العمومية المحلية الشاملة، والميثاق الاجتماعي المحلي الجديد، وتمويل التنمية الترابية، والتحول الرقمي، والعدالة المناخية، والدبلوماسية الترابية، يكتسي أهمية خاصة، لأنه يدعو إلى بناء علاقة متجددة بين الحكومات والجماعات المحلية والساكنة، تقوم على القرب، والإنصات والتشاور والشفافية، والمشاركة والرعاية، بوصفها مسؤولية عمومية مشتركة، لتحقيق تنمية منصفة ومستدامة.
كما أن مبادرة “100 يوم من التعددية المحلية” التي تجعل من مؤتمركم محطة مركزية ضمن مسار دولي متكامل، تعكس اقتناعا متزايدا بأن الحكومات المحلية والجهوية لم تعد مجرد مستويات لتنفيذ الالتزامات الدولية، بل أصبحت شريكا كاملا في بلورتها، وقوة اقتراح داخل منظومة الحكامة العالمية.
حضرات السيدات والسادة،
إن الدينامية التنموية التي تعرفها المملكة المغربية، تظل مرتبطة ارتباطا وثيقا بثوابت الأمة، التي تشكل جوهر الإجماع الوطني، وأساس الاستقرار والتنمية. وفي هذا الإطار، تواصل أقاليمنا الجنوبية، بالصحراء المغربية، تحقيق مشاريع تنموية كبرى، جعلت منها فضاء للنمو والاستقرار، ومركزا لتعزيز التعاون الإفريقي والأطلسي، في إطار رؤية متكاملة تقوم على التضامن، والتكامل الإقليمي، والتنمية المشتركة.
وفي نفس السياق، تندرج المبادرات التي أطلقناها لفائدة القارة الإفريقية، ضمن رؤية متجددة للتعاون جنوب – جنوب، ومن بينها المبادرة الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، ومبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، وهي مبادرات تجعل من الواجهة الأطلسية الإفريقية فضاء استراتيجيا للتعاون والازدهار المشترك، وتعزز دور المغرب كفاعل موثوق، وشريك ملتزم في خدمة تنمية إفريقية مستقرة ومندمجة.
كما يواصل المغرب جعل التعاون الدولي اللامركزي رافعة عملية لتقاسم التجارب والخبرات بين الجماعات الترابية، ولا سيما مع نظيراتها الإفريقية. وهو ما يقوم به الصندوق الإفريقي لدعم التعاون الدولي اللامركزي للجماعات الترابية الذي، ومنذ إحداثه سنة 2020، أضحى آلية مبتكرة لمواكبة شراكات ترابية ذات أثر ملموس، وترسيخ تعاون إفريقي يقوم على التنمية المحلية، والحكامة الجيدة، وتقوية القدرات، وتبادل الخبرات.
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،
إن نجاح الحكامة الترابية يظل رهينا بقدرة المؤسسات المنتخبة على الاضطلاع بأدوارها كاملة، وبمدى تأهيل المنتخبين، وتقوية آليات التشاور، وتطوير الشراكات بين مختلف مستويات تدبير الشأن العام.
وفي هذا الصدد، ندعوكم إلى تعميق التفكير في السبل الكفيلة بإرساء جيل جديد من الحكامة الترابية، يقوم على القرب والإنصاف، والاستدامة والنجاعة، ويمنح للحكومات المحلية والجهوية الوسائل اللازمة للقيام بمهامها، سواء من حيث التمويل، أو تنمية القدرات، أو التحول الرقمي، أو الشراكة مع المؤسسات الدولية والبنوك الإنمائية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
كما ندعوكم إلى بلورة توصيات عملية، تعزز دور المدن والجهات والجماعات المحلية في مواجهة التحديات المشتركة، وتفتح آفاقا جديدة أمام خدمات عمومية أكثر شمولا وقربا من المواطنين، وأكثر قدرة على صون كرامتهم وتحقيق تطلعاتهم المشروعة.
وفي الختام، ندعو الله تعالى أن يوفقكم ويسدد خطاكم، ويجعل من أعمال مؤتمركم لبنة جديدة في بناء حكامة ترابية أكثر إنصافا وتضامنا واستدامة.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته “.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.