الحكومة اللبنانية الجديدة: بين مطرقة التحديات الاقتصادية وسندان المؤسسات الدولية المانحة

0

المصطفى الناصري: تواجه الحكومة اللبنانية الجديدة، التي تشكلت الأسبوع الماضي، بعد مشاورات وتجاذبات سياسية شاقة دامت لأزيد من شهر، على تكليف حسان دياب بتأليفها، أزمة خانقة تعصف بلبنان نحو المجهول في ظل الانهيار الاقتصادي المتفاقم الذي تشهده البلاد منذ عقود.

وكان دياب أعلن، الثلاثاء الماضي، تشكيلة الحكومة الجديدة المكونة من 20 حقيبة وزارية، والتي جاءت بعد مفاوضات عسيرة، وسط تظاهرات شعبية مستمرة رافضة لمبدأ المحاصصة في عملية التأليف.

وبعد تشكيل الحكومة، تجد هذه الأخيرة نفسها أمام واحد من الملفات الثقيلة المطروحة على أجندة عملها والمرتبط بالوضع الاقتصادي المتأزم الذي يراوح مكانه ولم تنجح حكومات سابقة في التغلب على آثاره، وهو ما تسبب في اندلاع انتفاضة شعبية في 17 أكتوبر الماضي.

ويدعو الحراك الشعبي الحكومة الجديدة، إلى الإسراع في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية والمالية في البلاد والتي تطبعها أساسا مؤشرات سلبية إن تعلق الأمر بالاستثمارات أو ارتبط بمعدل النمو الاقتصادي، بفعل تضرر مختلف القطاعات الأساسية، خاصة المحروقات والكهرباء والصحة والمواد الغذائية وغيرها من المواد الأساسية وهو ما ساهم في تدهور الأوضاع المعيشية، على نحو غير مسبوق منذ فترة الحرب الأهلية (1975 و1990).

كما تسبب النقص الحاد في الدولار الأمريكي إلى تراجع سعر صرف العملة المحلية (الليرة) وانخفاضه بنحو 50 في المائة في السوق الموازية، الشيء الذي أدى إلى تراجع حركة الاستيراد بصورة كبيرة وجمود شبه كامل في حركة التجارة والصناعة.

وإزاء الوضع المالي والاقتصادي المتأزم، تكون الحكومة الجديدة أمام وضع اقتصادي صعب يفرض عليها صياغة وإعداد مخطط إصلاحي عاجل في التعاطي مع القضايا الاقتصادية المطروحة، وإقناع المجتمع الدولي والمؤسسات المالية المانحة التي تربط دعمها المالي للبنان بتسطير إصلاحات “إنقاذية” عاجلة. وفي هذا الإطار ، ستواجه الحكومة شروطا قاسية من المجتمع الدولي مقابل استفادتها من قروض ومساعدات للتخفيف من أزمتها الاقتصادية ، خاصة في ظل الشروط التي طرحها السفراء الأوروبيون الذين اجتمعوا مؤخرا مع حسان دياب، والمتمثلة، أساسا، في الالتزام بالإصلاحات المعلن عنها لا سيما المتعلقة بمؤتمر “سيدر”، وإلتزام الشفافية في أداء الوزراء ضمن المعايير الدولية لمكافحة الفساد، والتجاوب الفعلي مع مطالب المتظاهرين في ما يتعلق بإعداد قانون جديد للانتخابات واستعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة ناهبي المال العام.

وإلى جانب المجتمع الدولي، تجد حكومة حسان دياب نفسها أمام شروط شبه تعجيزية من صندوق النقد الدولي يتوجب عليها القيام بها للبت في طلب المساعدة من الصندوق من قبيل وضع خطة متوسطة الأجل لسد العجز المالي للبنان الآخذ بالاتساع والعودة بالدين العام إلى مستويات قابلة للاستدامة، والإسراع بزيادة الإيرادات عن طريق رفع ضريبة القيمة المضافة وإلغاء الاستثناءات الممنوحة لبعض الفئات والقطاعات.

كما تهم هذه الإجراءات إلغاء دعم الكهرباء أحد المجالات التي يقول صندوق النقد إنها ستحقق أكبر المداخيل المحتملة، وتوسيع نطاق الدعم للفقراء والفئات الضعيفة، وتحديد أوجه للتوفير عن طريق مراجعة الإنفاق العام، وتنفيذ إصلاحات هيكلية تشمل خفض تكلفة الاستثمار، وتطبيق إصلاحات تستهدف تدعيم القدرة التنافسية لقطاع التصدير، و تقوية النظام المالي، ومحاربة الفساد.

وكان المدير الإقليمي لمجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا ساروج كومار جاه، قد أعلن ، مؤخرا، استعداد المؤسسة الدولية لمساعدة لبنان لتجاوز أزمته في ظل الظروف المالية التي يمر بها.

من جانبه، قال وزير المالية اللبناني غازي وزني إن بلاده تتطلع لتدبير قروض ميسرة من المانحين الدوليين تتراوح بين أربعة وخمسة مليارات دولار لتمويل مشتريات القمح والوقود والأدوية، مضيفا أن “هذا الضخ سيغطي احتياجات البلد لمدة عام”.

ولفت إلى أن الأزمة المالية والنقدية التي لم يشهدها لبنان من قبل، تحتاج إلى دعم الداخل والخارج، مشيرا إلى أن البلاد تعيش انكماشا اقتصاديا يفرض على الحكومة وضع خطة أو برنامج إنقاذ شامل من أجل استعادة الثقة.

وأوضح أن لبنان سيواجه مشكلة كبيرة إذا لم تحصل الحكومة على دعم من المؤسسات الدولية المانحة.

وكان حسان دياب قد أكد غداة إعلان تشكيل الحكومة الجديدة أن بلاده تواجه “كارثة اقتصادية”، وتحديات هائلة وهو ما يحتم عليها تجاوز المأزق المالي والاقتصادي والاجتماعي ووضعه كأولوية في برامجها. وقال إن “الوضع في البلد لا يطمئن على كافة المستويات، ويتوجب العمل بشكل جماعي لتجاوز الوضع الصعب”، مشددا على أن الحكومة الجديدة هي حكومة إنقاذ وطني لكل اللبنانيين”.

ويرى محللون اقتصاديون أنه على ضوء الوضع المالي والاقتصادي الراهن يتوقع أن تزداد الأزمة الاقتصادية تعقيدا في الوقت الذي يعاني فيه لبنان شحا في السيولة والنقد الأجنبي وواحدا من أعلى معدلات الدين في العالم، ما يعزز احتمالات التعثر في سداد الديون أو إعادة هيكلتها.

ولاحظوا أن لبنان سيواجه اختبارا لقدرته على الوفاء بالتزاماته في 2020 في ظل ديون متراكمة بقيمة 10.9 مليار دولار مستحقة على مدار العام، بما في ذلك سندات دولية بقيمة 1.2 مليار دولار مستحقة في مارس المقبل.

وكانت وكالة “موديز” للتصنيف الإئتماني قد أكدت في وقت سابق أن “حيازات البنك المركزي من الأوراق المالية الحكومية، تشير إلى أن لدى لبنان خيارات لإدارة الدين على المدى القريب، يمكن أن تحد من خسائر القطاع الخاص في حالة تعثر السداد”.

ويذكر أن مجلس النواب اللبناني أقر، أمس الاثنين ، ميزانية 2020 بنسبة عجز تبلغ سبعة في المائة من الناتج الإجمالي المحلي. وتعد الأزمة الاقتصادية الراهنة وليدة سنوات من النمو المتباطئ، مع عجز الدولة عن إجراء إصلاحات بنيوية، حيث بلغ الدين العام 82,5 مليار دولار، ما يعادل نسبة 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أدرج معه البلد ضمن المرتبة الثالثة على لائحة البلدان الأكثر مديونية في العالم.

وحصل لبنان على تعهدات تجاوزت 11 مليار دولار في مؤتمر دولي في 2018 كانت مرهونة بإصلاحات فشلت الحكومة السابقة في تطبيقها.

ويبقى السؤال المطروح هو مدى تمكن الحكومة الجديدة من انتشال الوضع الاقتصادي في البلاد من مستنقع التدهور والانهيار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.