ثورة علمية تهز عالم الأورام.. تقنية كريسبر تقضي على طفرات سرطانية
houcine
في تطور علمي قد يعيد رسم خريطة علاج السرطان، كشفت العالمة الأميركية الحاصلة على جائزة نوبل، جينيفر دودنا، بالتعاون مع فريقها البحثي من معهد غلادستون في سان فرانسيسكو، عن استراتيجية ثورية تعتمد على توظيف إنزيم Cas12a2 لتدمير الطفرات الجينية السرطانية التي ظلت لعقود تُصنف ضمن “الأهداف غير القابلة للعلاج”، بما في ذلك طفرات جين TP53 الشهير المرتبط بنحو نصف حالات السرطان حول العالم.
ونشرت المجلة العلمية المرموقة Nature نتائج الدراسة في يونيو الماضي، والتي كشفت عن آلية مختلفة تماماً عن الأدوية التقليدية. فبدلاً من استهداف البروتينات مباشرة، يعمل الإنزيم كـ”قناص جيني” يتعقب البصمة الوراثية للخلايا السرطانية داخل النواة، وعندما يعثر عليها يطلق تفاعلاً متسلسلاً يمزق المادة الوراثية للخلية المصابة، مما يدفعها إلى الموت الحتمي ويمنع نمو الورم وانتشاره في الجسم.
ويمثل جين TP53 أحد أكبر التحديات في أبحاث السرطان، حيث تظهر طفراته في نسب مرتفعة جداً من أورام المبيض والبنكرياس والثدي والرئة، لكن البروتينات الناتجة عنه تفتقر إلى المواقع التي تستطيع الأدوية التقليدية الارتباط بها، مما جعلها عصية على العلاج لعقود طويلة. وهنا يأتي الابتكار الجديد، حيث تمكن الباحثون من برمجة الإنزيم باستخدام جزيئات توجيهية من الحمض النووي الريبي تجعله يتعرف بدقة متناهية على هذه الطفرات القاتلة وغيرها مثل طفرات جين EGFR والجينات المحفزة لنمو الورم مثل MYC، دون أن يؤثر على الخلايا السليمة المجاورة.
ولم تقتصر النتائج المبهرة على التجارب المعملية، بل امتدت إلى النماذج الحيوانية، حيث قام الفريق بحقن فئران مصابة بسرطان الرئة والكبد بجسيمات دهنية نانوية تحتوي على التعليمات الوراثية للإنزيم. ولاحظ العلماء تراجعاً ملحوظاً في حجم أورام الكبد وتباطؤاً في نمو أورام الرئة، إضافة إلى تأخير انتشار السرطان إلى أعضاء أخرى، مما يشير إلى أن التقنية لا تعمل فقط في المختبر، بل تمتلك قدرة فعلية على محاربة المرض داخل الكائن الحي.
ويؤكد الباحثون أن هذه الدراسة تمثل أول استراتيجية فعالة لاستهداف طفرات TP53 الشائعة، وتفتح الباب أمام تطوير فئة جديدة من العلاجات الدقيقة المعتمدة على أنظمة كريسبر الموجهة بالحمض النووي الريبي، والتي يمكن تصميمها لاستهداف أي طفرة جينية محددة في مختلف أنواع السرطان. ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات السريرية للتحقق من السلامة والفعالية لدى البشر، إلا أن هذا الاكتشاف يعتبر خطوة عملاقة نحو تحقيق حلم طال انتظاره في مجال الأورام: القضاء على الطفرات التي كانت تعتبر حتى وقت قريب مستحيلة العلاج.