ويأتي تنظيم هذا اللقاء الأدبي بالتزامن مع تنظيم مختبر السرديات ندوات في 24 مدينة مغربية، حول مجموع أعماله في الرواية والقصة والنقد والترجمة والمقالة، وذلك بمشاركة 90 باحثا وناقدا، في لقاءات تحاور التجربة السردية والنقدية وأسئلتها، تتوج بلقاء مع محمد برادة بالمكتبة الوطنية بالرباط، يتضمن شهادات عدد من الأدباء والنقاد والتقرير التركيبي عن أشغال باقي المدن.
وبحسب أرضية هذه التظاهرة الأدبية، فقد “شكلت كتابات محمد برادة، في مجملها، وخلال ستة عقود من العطاء المتنوع، في القصة والرواية والنقد الأدبي والترجمة والمقالة، أفقا واسعا ورحبا لأسئلة مغايرة في الثقافة العربية بحمولات متصلة بالحداثة والتنوير”.
وفي هذا السياق، اعتبرت حسناء داود، رئيسة مؤسسة محمد داود للتاريخ والثقافة أن “الغاية الأولى من هذه التظاهرة هي الاعتراف بعطاء ومجهودات محمد برادة على غرار كوكبة من الأدباء المغاربة المعاصرين ممن أسهموا في إغناء الحقل الثقافي العربي عموما والمغربي بوجه خاص”.
وأضافت داود، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن “الغاية الثانية هي العمل على استجلاب الشباب للاطلاع على هذه الآثار الأدبية والثقافية، وإعطائهم المشعل في سبيل تشجيع الإقبال على القراءة واللغة العربية والاعتناء بها وبإنتاجاتنا الأدبية والثقافية العربية”.
من جهته، أبرز عبد الواحد الدحماني، الأستاذ الباحث والناقد، أن رواية “الضوء الهارب” تناقش “تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة جدا برؤية فكرية وفلسفية عميقة للكاتب محمد برادة في تعاطيه مع ما عرفه المجتمع المغربي بين مرحلتي ما قبل الاستقلال وما بعده، وتحديدا بمدينة طنجة إبان الحقبة الدولية وما تلاها”.
واعتبر الدحماني، في معرض مداخلة له حول إشكالية الهوية في رواية “الضوء الهارب”، أن هذا العمل الروائي “يعكس في بنيته الجمالية وتكوينه السردي التحولات الاجتماعية، إذ تصدر الكتابة عن معاناة الإنسان وشعوره بالاغتراب والوحدة والانزياح عن الهوية بحثا عن الذات ورغبة في اكتشاف الآخر”.
وأوضح أن “الرواية عندما تحكي تجارب ثلاث شخصيات رئيسية هي العيشوني الفنان التشكيلي وغيلانة وابنتها فاطمة، فهي تقدم مضمونا ثقافيا وإنسانيا وتعمد في الآن نفسه تحويل الهويات الفردية وانفتاحها مضطرة على الآخر داخليا وخارجيا، لتصبح الهوية محددة بالوطن والأسرة والعلاقات إشكاليات لا حدود لها”.
بدوره، اعتبر محمد أنقار، الأكاديمي في قراءة نقدية لتيمة البحث عن الخلاص في الرواية، أن “التجربة الروائية لمحمد برادة تتسم بالتنوع والاختلاف وارتياد آفاق جديدة، فمنذ روايته الأولى “لعبة النسيان”، مرورا بأعماله الأخرى مرورا بأعماله الأخرى “مثل صيف لن يتكرر”، و”امرأة النسيان” و”حيوات متجاورة”، وغيرها يدرك القارئ أن استراتيجية الكتابة الروائية عند محمد برادة تنبني على الانزياح عن ما هو تقليدي ومألوف”.
وتابع بالقول “نجد في أعمال برادة سردا مشبعا بالتصدي والاسترجاع والاستباق والرواية داخل الرواية واليوميات والدفاتر والرسائل وتعدد الأصوات والانتقال من سارد إلى آخر والبوح والسرد الواقعي”.
وأبرز المتحدث ذاته أن الرواية “تقع بين الواقعي المعيش المركزي، وبين المتخيل والحلم والهامش والاستيهام بانزياح متعمد عن المركزية السردية”، مشيرا إلى ان الواقع في الرواية هو “متعدد قد يتخذ صورة حوار أو ذكريات أو يوميات أو استحضار للماضي والحاضر، ومن حق الروائي أن يجمع بين اليومي المعتاد وبين ما هو ميتافيزيقي ووجودي، وبين ما هو موجود في الحياة وبين عوالم أخرى متخيلة، لتحرير الرواية وجعلها نابضة بالحياة”.

